Banner

الباحث عبدالعزيز السملالي ينال درجة الدكتوراه في تخصص مقارنة الأديان والفكر بمؤسسة دار الحديث الحسنية العامرة بالرباط.

الداخلة بلوس :

لقد حصل الباحث عبدالعزيز السملالي على درجة الدكتوراه من مؤسسة دار الحديث الحسنية العامرة بالرباط في تخصص مقارنة الأديان والفكر، وذلك بميزة مشرف جدًا مع تنويه اللجنة العلمية بالبحث والباحث بالإجماع، لما تميز به العمل من جدة الموضوع، ورصانة المنهج، وأصالة المقاربة. ومن المرتقب أن يُنشر هذا البحث في صيغته النهائية قريبًا بعد إدخال الملاحظات العلمية التي قدمها السادة أعضاء لجنة المناقشة.

تندرج هذه الدراسة في إطار تخصص مقارنة الأديان والفكر، حيث تسلّط الضوء على التفاعل الحضاري والتشريعي بين الفقه الإسلامي والفقه اليهودي، من خلال دراسة أثر الأول في الثاني عبر نماذج فقهية بارزة. وقد شهدت المجتمعات الإسلامية، منذ العصور الوسطى، حالة من التعايش الحضاري والثقافي بين المسلمين وأهل الكتاب، ولا سيما اليهود الذين عاشوا في أقاليم مثل الأندلس والعراق ومصر. هذا التعايش خلق بيئة معرفية خصبة كان من نتائجها تفاعل فكري عميق انعكس بشكل واضح على التشريع اليهودي، حيث تأثرت الشريعة اليهودية بالمنهجية الفقهية الإسلامية في بنيتها واستدلالاتها.

وقد أجريت هذه الدراسة في رحاب مؤسسة دار الحديث الحسنية العامرة بالرباط، وهي المؤسسة العلمية العريقة التي تُعنى بتكوين العلماء والمفكرين على المستوى الوطني والعالمي، مما أتاح لهذا العمل أن يتغذى من بيئة علمية متميزة، بإشراف نخبة من العلماء المختصين في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان.

كما أن هذا البحث تم إنجازه تحت إشراف فضيلة الدكتور يوسف الكلام، أستاذ مقارنة الأديان بدار الحديث الحسنية، الذي أسهم توجيهه العلمي بدور أساس في بلورة ملامح هذا العمل وترسيخ منهجيته. وقد حظي هذا البحث بشرف المناقشة أمام لجنة علمية موقرة تضم السادة العلماء: الدكتور إبراهيم رضا، والدكتور عبد الرحيم حيمد، والدكتور عبد الله الرشدي، والدكتور الطيب المنور، الذين كان لنقاشهم العلمي الرصين وتوجيهاتهم القيمة بالغ الأثر في استكمال عناصر البحث وتطويره.

وقد أبرز هذا العمل كيف أن بعض فقهاء اليهود، ممن عاشوا في ظل الدولة الإسلامية، تأثروا بوضوح بالمنهج الفقهي الإسلامي، خصوصاً في صياغة الأحكام وتنظيم القواعد الفقهية، رغم حرصهم التقليدي على حماية شريعتهم من أي تأثير خارجي. إلا أن قوة المنظومة الأصولية الإسلامية، ودقتها المنهجية، دفعتهم إلى الاستفادة منها، سواء في مسائل العبادات أو المعاملات.

ومن بين أبرز النماذج التي تناولها البحث: موسى بن ميمون (ت: 1204م) في كتابه “مشناة توراه”، الذي تأثر منهجيًا بابن حزم الظاهري؛ وكذلك إلياهو بن موسى بشياصي (ت: 1490م) في كتابه “أديرت إلياهو”، الذي تجلّى فيه استيعاب واضح للمقولات الأصولية والمنهجية الإسلامية، خاصة في فقه الأحوال الشخصية.

كما سعى البحث إلى دحض بعض المزاعم الاستشراقية التي ادعت أن الإسلام مجرد امتداد لليهودية أو هرطقة من هرطقات المسيحية، مستندين في ذلك إلى ما ورد في القرآن الكريم من تصديق لبعض روايات العهد القديم وذكر أنبياء بني إسرائيل. وقد بيّن البحث، استنادًا إلى الأصول والمنهج، أن الإسلام منذ بداياته كان متميزًا، بل ومؤثرًا في اليهودية والمسيحية على حد سواء، من حيث اللغة والعقيدة والفقه.

واستندت الدراسة إلى منهجية متعددة الأبعاد، شملت المنهج التاريخي لتحليل السياق الحضاري، والمنهج التحليلي لتفكيك النصوص، والمنهج المقارن لإبراز أوجه التشابه والاختلاف، ثم المنهج الاستنباطي لاستخلاص النتائج. وقد تم تقسيم الدراسة إلى أربعة أبواب تناولت المصادر والفرق اليهودية، المنهج الفقهي، فقه العبادات، وفقه الأحوال الشخصية.

وقد خلص البحث إلى أن تأثير الفقه الإسلامي في الفقه اليهودي لم يكن عابرًا، بل وصل إلى عمق البنية التشريعية والمنهجية، حيث تبنى فقهاء اليهود مفاهيم ومقاصد إسلامية واضحة، في إطار التأثر الحضاري الذي فرضه التعايش المشترك، والاحتكاك العلمي المتواصل بين العلماء.

وفي الختام، يوصي البحث بضرورة مواصلة الدراسات المقارنة، وتحقيق النصوص الفقهية اليهودية، ودراسة الفرق التي عاشت في كنف الحضارة الإسلامية، مثل السامريين وغيرهم.

 

 

Loading...