مهرجان الداخلة: أشكال جديدة من الرقابة تسائل حرية الإبداع السينمائي عبر العالم.
من الرقابة المالية التي ترافق مسعى صانع السينما إلى الحصول على تمويلات تخص الإنتاج والتوزيع إلى الأوجه الحديثة للرقابة عبر الخوارزميات ومختلف أدوات الذكاء الاصطناعي، قدم نقاد وسينمائيون في الندوة الأولى للمهرجان، أمس السبت، صورة بيئة ضاغطة تسائل قدرة المبدع السينمائي على الاحتفاظ بنزاهته وشجاعته دون تنازلات تحط من القيمة الفنية للمشروع السينمائي.
وجزم الناقد والسينمائي فؤاد سويبة، الذي أدار اللقاء المندرج ضمن الفعاليات الفكرية الموازية لعروض الدورة المتواصلة إلى 12 يونيو، بأنه لا مجال لإبداع حقيقي وأصيل بدون حرية، لكنه لم يعف السينمائيين من مسؤوليتهم عن محاربة الأوهام الناجمة عن رقابة ذاتية تضخم المحظورات، حتى في ظل نظام قانوني ومؤسساتي مشجع على الممارسة الفنية الحرة.
وبسط محمد بلغوات، الخبير في مجال تقنين الاتصال والسينما، الإطار المعياري الدستوري الذي يؤطر حرية الإبداع بالمغرب، متوقفا بالخصوص عند دور القانون 18-23 في تقنين الممارسة على مستوى إنتاج واستغلال وتوزيع الأعمال السينمائية.
ونبه بلغوات إلى خطورة مفعول الرقابة الذاتية التي ترافق تمثل السينمائي للنموذج الاقتصادي لصناعة الفيلم في سعيه إلى إرضاء الجهات المانحة والتكيف مع توجهاتها. إنها رقابة غير مؤسساتية وغير معلنة تتعاظم أيضا في سياق ضغوط الجمهور والصحافة وسلطة النقد، بينما يكون على المبدع أن يفاوض هذه التدخلات بذكاء ونزاهة.
ومن جهته، قدم الناقد السينمائي سعيد مزواري رحلة استرجاعية تعود إلى فجر السينما عبر العالم، حيث كان الاصطدام بالرقابة بمثابة محطات مفصلية في تطور الفن السينمائي في علاقته بالسلطة والمجتمع، من فيلم “قبلة” للأمريكي لويليام هايس (1896) مرورا برائعة “الدكتاتور” لشارلي شابلن إلى “الراهبة” لجاك ريفيت… ظلت الرقابة جدارا عنيدا أمام فنون الإبداع عموما في الشرق والغرب، بل انبعثت خلال السنوات الأخيرة بأشكال جديدة وأخطر في قلب أعرق الديموقراطيات.
وعرج مزواري في هذا السياق على لحظات توتر شابت علاقة أفلام مغربية مع بعض القناعات على غرار “موشومة” للحسن زينون و”حجاب الحب” لعزيز السالمي، حتى في غياب منع مؤسساتي.
أما المخرج السينمائي هشام العسري فكشف أنه لا يستحضر فكرة تحدي محظورات معلنة في كتابة رواية أو إنجاز فيلم. فالعمل الفني عنده استجابة لرغبة حيوية حميمة في تقاسم حكاية لا في إثارة لغط مقصود. بل يرى أن الدخول في علاقة صدامية مع مستوى التلقي يفقد السينما جوهرها، مؤكدا أنه يحاول التمسك بشهوة تقديم حكايات تتسم بالأصالة والصدق، لا باصطناع بطولة ما عبر المخالفة. السينمائي ليس مناضلا، يقول العسري، بل شاهدا إنسانيا على زمنه.
وخلصت مداخلات متنوعة لباحثين وفنانين مغاربة وأجانب إلى أن الرقابة اتخذت دلالات أخرى وأبعادا غير مسبوقة مع دخول الخوارزميات ساحة المعادلة، حيث باتت إمكانية الرقابة والاستهداف والضغط متاحة بشكل لامركزي وخفي خلف الشاشات وعبر المنصات التواصلية.
وانطلقت الورقة الفكرية للندوة من الموقع الخاص للسينما التي حافظت، باعتبارها فنا للتمثيل، على علاقة معقدة مع الحدود التي يفرضها السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي أو المؤسساتي. ومن هنا تتواتر الأسئلة المفتوحة: “كيف يمكن مواكبة الإبداع من دون إعاقته؟ وكيف يمكن التأطير من دون التضييق؟ وكيف نضمن إطارا منظما مع ترك المجال للفنانين كي يجربوا، ويزعجوا ويقترحوا نظرات أخرى، ويفتحوا مجالات جديدة للتفكير؟”.
وتندرج هذه الإشكالية في لحظة تاريخية تعرف تحولات سريعة في أنماط الإنتاج والتوزيع. فصعود المنصات والتداول العابر للحدود للصور، وتنامي الإنتاجات المشتركة، وتغير انتظارات الجمهور، وتنوع الصيغ، كلها عوامل تعيد تشكيل العلاقات بين الإبداع والرقابة والتلقي.