الجماعة والجمر والجر : ثلاثية لا تستقيم طقوس الشاي الصحراوي بدونها
ولعل أول أركان هذا الطقس هو “الجماعة”، إذ لا معنى للشاي الصحراوي إن جرى إعداده على عجل أو ش رب على انفراد، لأن الشاي بطابعه الخاص موسوم بسمة التقاسم والتشارك بين أفراد الجماعة، ضمن طقس يقتضي بالضرورة إعدادا مسبقا لمستلزمات جلسة قد تمتد زمنا غير يسير.
ففي المجالس الصحراوية، ي شك ل إعداد الشاي إعلانا ضمنيا عن بدء فصول جلسة تمتد، في الغالب، بامتداد الوقت نفسه، حيث يتحول المجلس إلى فضاء لتبادل الأخبار وسرد الحكايات ومناقشة الشؤون اليومية، أو حتى التطرق إلى الأحداث الكبرى التي تتناولها القنوات الإخبارية الدولية.
أما الجمر، فيعد عنصرا جوهريا في فلسفة الشاي الصحراوي، إذ إن بطء اشتعال الفحم، وانتظار بلوغ الماء درجة الغليان، ثم سكب الشاي في الكؤوس وإعادة العملية مرات عديدة حتى تتشكل “الكشكوشة” ويكتسب الشاي نكهته الخاصة، كلها تفاصيل تعكس ثقافة الصبر والتأني التي تميز هذه الطقوس.
وفي خضم هذه الثقافة القائمة على التريث، لا ي عج ل بإعداد الشاي على النار، بل ي ترك لينضج بهدوء فوق الجمر. وخلال تلك اللحظات، تراقب الأعين الإبريق بتؤدة وتأمل، في مشهد لا يمكن أن يشكل، بأي حال من الأحوال، فراغا زمنيا، بل فسحة للتأمل وإطلاق العنان للخيال للذهاب بعيدا وتهيئة لأجواء لم ة بين الأحبة والأصدقاء.
وإذا كان الجمر يمنح الشاي حرارته، فإن “جر ” الحديث وإطالته وتمديد خيوطه دون استعجال يمنح المجلس الروح التي تنعشه، فالحديث في مثل هذه المناسبات لا يقبل الاختصار ولا يستكين إلى منطق ما قل ودل، بل ي عاد بسطه وت ستحضر خلاله الأمثال الشعبية والحكايات، وت فتح أقواس جانبية قبل العودة إلى الفكرة الأولى. وي عد هذا “الجر ” فنا اجتماعيا قائما بذاته، ت قاس من خلاله سرعة بديهة المتحدث وفصاحته وبلاغته ولا سيما قدرته على الإمتاع والإقناع.
وفي هذا السياق، يقول الأستاذ الباحث أحمد مسيدة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الشاي يحظى بمكانة متميزة في المجتمع الحساني، باعتباره أحد أبرز الموروثات الثقافية والاجتماعية، مضيفا أن الشاي ي قد م تقليديا في ثلاثة كؤوس، غير أنه في جهة الداخلة – وادي الذهب ت ضاف أحيانا كأس رابعة تكريما للأولياء الصالحين بالمنطقة.
وأبرز أن الشاي يعد جزءا أساسيا من كرم الضيافة في الصحراء، حيث ي قد م للضيوف تعبيرا عن حسن الاستقبال، مسجلا أنه غالبا ما يتم، بالمناسبة، إنشاد أبيات قصائد شعرية تتناول مختلف الأغراض ومنها التغني بسحر الشاي ومزاياه كقول الشاعر “إن الأتاي على الإحسان م شتمل… ما للوفود ي رى كمثله ن زل “.
من جهته، بسط الشاعر محمد الحسن، نائب رئيس جمعية الشعراء بالداخلة، في تصريح مماثل، أهمية الشاي في الثقافة الحسانية، مسلطا الضوء على مكوناته وطرق تحضيره.
وشدد على أن الشاي المفضل لدى أهل الصحراء هو الذي يمزج بين المتناقضين، أي ذلك الح ل و الذي ت ع ت ر يه م ر ار ة، لافتا إلى أن جلسة الشاي قد تظل ناقصة إن لم تتخللها روائع الشعر الحساني.
وهكذا، لا ي عد الشاي الصحراوي مجرد وصفة أو عادة يومية، بل يمثل بنية ثقافية متكاملة تكرس قيم الكرم، وتؤكد أهمية الحضور الجماعي، وتحافظ على تقليد المجالس حيا حتى في زمن السرعة. وفي شهر رمضان تزداد رمزية هذا الطقس. فبعد الإفطار وأداء صلاة التراويح، يعود الشاي ليكون مسك الختام وجسر الانتقال من تعب الصيام إلى سكينة الليل. تجتمع العائلات من جديد، وي عاد إشعال الجمر، وتنطلق جولة أخرى من الحديث، تتخللها استعادة الذكريات واستحضار قصص الأجداد.
