قراءة في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الـ27 لعيد العرش”خطاب الثقة والسيادة وبناء المغرب الصاعد”

0

بقلم: الأستاذ الحسن لحويدك

جاء الخطاب الملكي السامي لجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، خطابا استراتيجيا بامتياز. إنه خطاب الثقة في مسارنا التنموي، وخطاب ترسيخ السيادة في كل أبعادها، وخطاب استشراف لمستقبل المغرب الصاعد في أفق 2035.
وبالاستناد إلى النص الكامل للخطاب الملكي، ومقارنته بمعطيات الواقع، يمكن الوقوف عند أربعة محاور كبرى:
1. السيادة الاقتصادية والانتقال الطاقي: رهان المستقبل .
شدد جلالة الملك على أن تقوية السيادة الوطنية والاكتفاء الاستراتيجي أصبحت محورا للتنمية الصناعية ، خاصة في سياق دولي مطبوع بعودة السياسات الحمائية وتأمين سلاسل التوريد والإنتاج.
وأبرز الخطاب نموذجين بارزين:
– الصناعات الغذائية والدوائية التي أصبحت تغطي ما يقارب 80% من الحاجيات الوطنية.
– الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني التي ستساهم في إقامة قاعدة صناعية وتكنولوجية تعزز السيادة الدفاعية، وترسخ مكانة المغرب كقوة إقليمية في هذا المجال.
كما أعلن جلالة الملك عن الشروع في تنزيل “عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر” عبر الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى. وهو تأكيد على التوجه نحو طاقة تنافسية وخالية من الكربون، يضع المغرب في طليعة الدول الرائدة في الانتقال الطاقي.
2. النموذج التنموي: تراكم استراتيجي وليس إنجازا ظرفيا .
أكد جلالة الملك أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، وهي ثمرة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية بفضل صواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.
وتتجلى ملامح هذا التراكم ميدانيا في:
– قطاع سياحي يحقق إنجازا تاريخيا باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح سنة 2025.
– اقتصاد متنوع ومرن يشمل الفلاحة وصناعة السيارات والصناعات الواعدة.
– دولة اجتماعية تواصل تنزيل برامج الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية والتنمية الترابية المندمجة، لتشمل كل الجهات والمناطق دون استثناء.
فالخطاب كان دقيقا في التشخيص: التنمية ليست وليدة اليوم، بل هي مسار تراكمي قائم على المبادرة والتتبع والمواكبة.
3. التعبئة المالية والانفتاح على الاستثمار.
وقف جلالة الملك عند شرط أساسي للتحول الاقتصادي والاجتماعي: تعبئة الموارد التمويلية. وبهذا الصدد ناشد القطاع المالي الوطني مواصلة مواكبة الاستثمار والمشاريع الكبرى، والعمل على إحداث نقلة نوعية في توسيع الولوج للتمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصدير.
كما تطلع جلالته إلى فتح آفاق أوسع وأكثر ابتكاراً، بما يضمن التعبئة المثلى للادخار الوطني لاسيما المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية لتسريع الدينامية التنموية للمغرب الصاعد.
4. المغرب فاعل دولي موثوق وشريك مطلوب .
سجل الخطاب بكل فخر أن المغرب تمكن، بعون الله وتوفيقه، من ترسيخ مكانته كفاعل دولي موثوق، ومحترم ومسموع.
فالمغرب اليوم أصبح فاعلا اقتصاديا مهما وشريكا مطلوبا في إطار شراكات جديدة ومتوازنة ومتوجهة نحو المستقبل. وهو ما مكنه من طرح عروض شراكات بناءة ومبادرات تعاون واعدة بخصوص مختلف القضايا الثنائية والدولية الكبرى، ومن تنويع شراكاته بما يعز قدرات بلادنا.
ويعكس هذا الحضور أيضا الزخم الدولي والقاري الذي تعرفه المملكة، بما في ذلك الاستعداد لاستضافة تظاهرات كبرى ككأس العالم.
نحو دورة تنموية جديدة .
وختم جلالة الملك خطابه بالتطلع إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، وانبثاق حكومة جديدة، لإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي شعارها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
كما جدد جلالته الاعتزاز والتقدير لكل مكونات القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية على تجندهم الدائم تحت القيادة الملكية للدفاع عن وحدة الوطن وأمنه واستقراره، واستحضر بأسمى عبارات الخشوع الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار.
وختاما ، إن أبرز ما يمكن استنتاجه من الخطاب الملكي السامي هو أن التنمية هي التعاقد الأساسي الذي يقوده جلالة الملك. لقد أصبح المغرب نموذج “دولة-أمة” يتوفر على كل المكونات ليتبوأ مكانة الريادة.
إنه خطاب تفاؤل وثقة، يرسم خارطة طريق واضحة لبناء مغرب قوي، عادل، ومتضامن، ومؤثر إقليميا ودوليا.

الأستاذ الحسن لحويدك
رئيس جمعية الوحدة الترابية للتنمية البشرية والأعمال الاجتماعية بجهة الداخلة وادي الذهب

Loading...