خبير: صفقة القرن تنتهك قواعد القانون الدولي ولوائح وقرارات الأمم المتحدة

صبري الحو*
بعد الإعلان الرسمي عن صفقة القرن، والكشف عن مضامينها الرسمية بات لزاما وواجبا دراستها لمطابقة وتكييف بنودها مع قواعد القانون الدولي سواء في إطار الشرعية الدولية او في إطار القواعد الدولية لحقوق الإنسان، وعلاقة الصفقة بسابق القرارات واللوائح الرئيسية الصادرة عن مختلف أجهزة الأمم المتحدة ذات صلة بالقضية الفلسطينية في مختلف تمظهراتها وتجلياتها، والخروج في النهاية باستنتاج وخلاصة بخصوص هذه الصفقة.

صفقة القرن .. الملاحظات الشكلية والخلفيات السياسية وأسباب النزول

تجدر الإشارة إلى أن ما يسمى بصفقة القرن هو رؤية أو مقترح أو مشروع للرئاسة الأمريكية الحالية (دوناد ترامب) يهدف إرساء حل نهائي للنزاع العربي الفلسطيني مع إسرائيل. وقد صيغت المبادرة من جانب واحد وبتنسيق بين إسرائيل كطرف أساسي والولايات المتحدة الأمريكا كوسيط وراعية لعمليات البحث عن السلام، وفي غياب الطرف الأساسي الآخر فلسطين.

وقد تم الإعلان والكشف عن مضامين صفقة القرن في السنة الأخيرة لنهاية ولاية الرئيس الأمريكي ترامب، والاستعداد لخوض انتخابات الولاية الثانية في نونبر من هذه السنة، وفي وقت فقد فيه الكثير من شعبيته بسبب محاكمات عزله التي نجا منها. أما في إسرائيل فان نتانياهو يبحث عن أسباب تؤمن له العبور في عقبة الانتخابات التشريعية في مارس، وهو المثقل بقضايا الفساد.

كما تأتي الصفقة في ظل وضع إقليمي يتسم بالتشنج بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتخفيض العنف في سوريا، وتعقد الوضع وضبابيته في ليبيا واحتمال انتقاله صورة طبق الأصل لما وقع في سوريا.

صفقة القرن في نظر قرارات ولوائح الأمم المتحدة ذات الصلة بفلسطين

تجعل صفقة القرن من فلسطين دولة منقوصة السيادة وتحت وصاية سلطة إسرائيل، ودولة منزوعة السلاح، مجزأة ومشتتة، وموصولة بجسور وأنفاق، وحدودها خارج نطاق 1967، كما تشرعن الاستيطان وتسمح بمزيد منه، وتجاهلت حق العودة للاجئين، وتجعل من القدس عاصمة لإسرائيل. وتركز على الإعمار والتنمية بتنفيذ من شركات إسرائيلية وبتمويل عربي.

وبالرغم من صعوبة حصر جميع قرارات مجلس ولوائح الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية منذ تدويلها في مقالة صحفية والنظر في مدى مطابقة الصفقة لمقتضيات القرارات واللوائح الصادرة عنها،

فإننا سنركز حول مضمونها الذي يحكمه حل الدولتين. وهو الحل الذي يتقاطع فيه رأي المجموعة الدولية مع سابق إقرار اسرائيل نفسها بفلسطين كدولة وبحق اللاجئين في العودة وتعهدها الخطي بمساعدة المجموعة الدولية في تنفيذ ذلك الاعتراف الخطي الموثق في القرار 181/1947.

أما القرار عدد 242 الصادر عن مجلس الأمن فإنه يسحب الشرعية من إسرائيل في احتلال أراضي فلسطين ويطالبها بالانسحاب منها إلى حدود 1967. وينص في نفس الوقت على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وفقا لمقتضيات القرار 194.

و تواتر إصدار مجلس الأمن لقرارات تؤكد على تلك الحقوق وآخرها القرار 2334 لسنة 2016 الذي يعتبر الاستيطان غير شرعي. وأن صفقة القرن ضربت صفحا على كل هذه القرارات ومست بذك بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تكوين دولة مستقلة ذات سيادة كاملة غير منقوصة فوق كامل اراضية الى غاية حدود 1967،وفي حق اللاجئين في العودة.

تكييف مضامين صفقة القرن مع توصيات وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛

دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إصدار قرارات تتضمن توصيات تعترف للشعب الفلسطيني في حقه في تقرير مصيره، وبالمقابل تتنكر مثلما لا تعترف بسيادة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأن صفقة القرن تفرض حلا على الفلسطينيين، لم يشاركوا في مفاوضات صياغته، ولم يستشاروا بشأنه، وفي غياب قبولهم ورضاهم. ومن أجل دولة غير ذات سيادة وتابعة لسلطة إسرائيل، التي هي سلطة الإدارة والاحتلال في نظر القانون الدولي وستبقى في نظر صفقة القرن كذلك. وهو ما يجعل الصفقة تشرعن الاحتلال وتزيد منه، وتنتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

وضع القدس والأماكن المقدسة في نظر صفقة القرن

لقد كانت القدس محل محل قرارات متعدة منها القرار 181/1947 الذي يتضمن شرطا بضمان حق الشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال، وهذا الشرط قبلت به إسرائيل، وتعهدت خطيا بتنفيذه، وبمقتضاه اعطيت الصبغة الدولية لرعاية القدس. بيد أن اسرائيل أتمت احتلال القدس سنة 1967 أكملت إسرائيل فانتهت الرعاية الدولية لها، ، وفي سنة 1980 أعلنتها إسرائيل عاصمة لها، فاصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1986 قرارا بعزلها لأنها دولة غير محبة للسلام.

أما مجلس الأمن فاعتبر بمقتضى القرارات 237 و252و297و478 الضم الاسرائيلي لكل القدس مخالف لاتفاقية جنيف الرابعة 1947، والمرتبطة بحماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، وبطلان كل الاجراءات والاعمال التي قامت بها اسرائيل والتي قد تغير من الوضع القانوني للقدس، والغاء كل الاعمال التشريعية والادارية التي قامت بها اسرائيل من اجل ذلك التغيير.

أما الجمعية العامة للأمم المتحدة فاصدرت قرارين لهما صبغة الالزامية لصدورها في جلسة طارئة 2253/1967و2254 . وفي سنة 1988 تم اعلان دولة فلسطين وعاصمتها القدس ولقيت ترحيبا وتاييدا ومصادقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار بمقتضى القرار رقم /177/1988.

أما محكمة العدل الدولية باعتبارها محكمة دولية، فقد أصدرت قرارا بكون جدار الفصل الاسرائيلي مخالفا لاتفاقية 1947 لأن أجزاء منه أقيم على الأراضي الفلسطينية ووجب إزالته تأسيسا على مبدأ عدم جواز تغيير الوضع القائم.

وأن رؤية الحل الامريكية ” صفقة القرن التي تؤيد جعل القدس عاصمة لإسرائيل واتخاذها من ذي قبل فعلا ماديا لتعزيز ذلك بنقل السفارة الأمريكية اليها يتناقض مع هذه القرارات التي تحمي وضع القدس، كما تخرق سابق التعهدات الثنائية التي تبقى الاتفاق بشانها الى ما بعد الوصول الى اتفاق نهائي بمقتضى اتفاق اوسلو 1998.

حل القضية الفلسطينية وعودة اللاجئين يحكمه إطار دولتين بحدود 1967

وهو مؤطر بعدة قرارات أممية واتفاقات ثنائية. ووضع القدس المؤجل تحدده قواعد القانون الدولي ومفاوضات الطرفين. وأن صفقة القرن كرؤية للحل تعتريها نواقص وتتناقضات في جوهرها ومضمونها مع جهد المجموعة الدولية لما يناهز ثمان عقود.

و صفوة القول ؛ إن رجحان كفة القانون الدولي العام و القانون الدولي لحقوق الانسان كآليات تناط بها مهام حلحلة أزمة الشرق الاوسط ، ينبغي أن يدفع بالضمير الأممي الى ضرورة اعتماد ميكانيزمات الحوار الحضاري و تقدير الاختلاف الديني والانتصار لقيم حقوق الإنسان كمدخلات مناسبة لتفادي الصدامات بمنطق المقدس الديني ، لأن الأصل في الوجود هو نبد الغلو والتطرف مهما كان دواعيه، لصالح توطيد عرى الإيخاء والسلام كقيم فضلى تقع تحت عهدةالأمم المتحدة، وأن سياسة فرض الحلول دون توافق لن تزيد الوضع الا تعقيدا.

محامي بمكناس،خبير في القانون الدولي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان ونزاع الصحراء

قد يعجبك ايضا
Loading...