الداخلة .. محمد جعفري، قصة تحد من رحم الإعاقة تنشد التميز والإبداع
(هشام الأكحل)
محمد جعفري، ليس مجرد اسم ولقب عاديين، بل هو رمز لقصة تحمل كل معاني التحدي والإصرار والتشبث بالأمل، إذ أضحى نموذجا حي ا لما ي مكن أن تصنعه الإرادة الصلبة حين تجد سندا في حضن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ذلك الفضاء الداعم والبيئة الحاضنة التي جعلت الشاب جعفري، يتحدى شلله الدماغي الحاد وعسر النطق، ليندمج في الحياة المدرسية ويحلق عاليا في عالم الكتابة والأدب.
عن تفاصيل قصة نجاح هذا الشاب، تقول العزة العروسي، رئيسة جمعية الأمل المشرق للأطفال في وضعية إعاقة بالداخلة، إن محمد جعفري يمثل إحدى أبرز قصص النجاح على مستوى جهة الداخلة – وادي الذهب، إذ تمكن، رغم إعاقته الجسدية والنطقية، من تجاوز صعوبات الاندماج الاجتماعي والنفسي، بعد التحاقه بمركز الداخلة لأطفال التوحد التابع للجمعية.
وتضيف العروسي، في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، “خلال ثلاث سنوات فقط، استطعنا إدماجه في التعليم النظامي، وقد أثار إعجاب الأساتذة بقدرته اللافتة على مسايرة أقرانه، بشكل طبيعي وسلس، رغم ظروفه الصحية الصعبة”.
وفي تقديرها، فإن هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا الدعم الحاسم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تجس د في جوهرها فلسفة عميقة تتجاوز مجرد الدعم المادي للمشاريع إلى الارتقاء بالإنسان في إنسانيته، وخاصة الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن بينها الأطفال ذوو التوحد.
لقد انفتح محمد جعفري، الذي سبق وأن مثل جهة الداخلة وادي الذهب في برلمان الطفل، على عالم الكتابة وبدأ يسبر أغوار الأدب من بابه الواسع، لتتوج جهوده برواية اختار لها كعنوان “الع ل يق”، وهي العبارة المستوحاة من رمزية التوت البري المحاط بالأشواك، كتعبير مجازي عن المعاناة في سبيل الوصول إلى النجاح.
لم يتوقف جعفري عند “الع ل يق” بل واصل إبداعه بعمل أدبي ثان عنونه “ت حفة الألباب ون خبة الآداب”، ض م نه من الخواطر والشذ رات الشعرية والنثرية ما يعكس تأملاته ونظرته العميقة إلى المجتمع والحياة. ي من ي جعفري النفس بأن تجد كتاباته طريق ها إلى النشر ضمن الصفحات الثقافية لإحدى الجرائد أو المجلات في المغرب، ولم لا أن تتكلف يوما ما إحدى دور النشر بإيصال صوته إلى القارئ في الوطن العربي.
وتروي العروسي أن جعفري لم يكن قادر ا حتى على كتابة حرف واحد، وكان يملأ صفحة بأكملها بخ ربش ات محاولا كتابة “الألف” مثلا، لكن البيئة الحاضنة والدعم المتواصل مك ن اه من تحويل بياض الصفحات إلى إبداع حي ط و ع فيه الحروف وأصبحت ناطقة بمكنون الحياة وتحدياتها.
تختم العروسي حديثها قائلة: “لولا المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لما كان بإمكاننا احتضان مثل هذه المواهب الفريدة، التي تبرهن أنه على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.
في رواية “الع ل يق” يقول جعفري على لسان شخصية ب ره ان :”تستطيع الحياة أن تحرمك كل شيء إلا طريقتك في مقاومة الألم، فالمقاومة دائما ما تكون نابعة من الأعماق بالذات الانسانية، و من قوة الإرادة و وميض الفكرة”.
ويحمل جعفري رسالة قوية مفادها أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على الإبداع والعطاء حين ت منح لهم الفرصة في التعليم والشغل والحياة الكريمة، وفي التمكين المجتمعي، وقد كان حصوله على شهادة الباكالوريا نجاحا آخر سطره بكل عزيمة وإصرار، و يتوق الآن إلى تدشين مشوار جامعي يراه متميزا ليحقق في نهاية المطاف حلم والديه بالحصول على شهادة الدكتوراه في الآداب.
لقد جسدت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2005، رؤية ملكية تنبني على فلسفة إنسانية راقية تروم النهوض بالفرد وتحرير طاقاته الكامنة، خصوص ا من أنهكتهم تكاليف الحياة و أرهقتهم الحاجة والإعاقة.
لقد أضحت المبادرة التي جعلت من الاستثمار في الإنسان في صلب اهتمامات جلالة الملك، رافعة لحياة اجتماعية أفضل ت سهم فعليا وعمليا في تحقيق الذات وفتح آفاق الأمل والإبداع.
