عزيزة العروسي .. رحلة عطاء لا ينضب في خدمة أطفال التوحد
الداخلة بلوس : و م ع
منذ ربع قرن من الزمن، انطلقت رحلة عزيزة العروسي، في مسيرة مهنية كأستاذة للتعليم الابتدائي بعدد من المدن المغربية، قبل أن يستقر بها المقام بمدينة الداخلة سنة 2003، لتبدأ تحديا جديدا كرست من خلاله حياتها لخدمة الأطفال ذوي التوحد، ولتصبح مع توالي السنوات رمزا للعطاء والتفاني وبصمة إنسانية مضيئة في مجال إعاقة التوحد.
بعد التخرج من مركز تكوين المعلمين بالرباط سنة 2000، التحقت بمدينة طاطا ثم طانطان وبعدها كلميم قبل أن تحط الرحال للاستقرار نهائيا بالداخلة لتمتهن التعليم الابتدائي حتى سنة 2009، عندما تم الإعلان عن إحداث “أقسام الإدماج” حيث كانت من المترشحات لخوض هذه التجربة.
“لم تكن البداية أمرا سهلا ولم يكن الطريق مفروشا بالورود”، تقول عزيزة العروسي في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، موضحة أن الطرق البيداغوجية الكلاسيكية لم تكن تسعفها للتعامل مع هذه الشريحة من الأطفال الذين يعانون إعاقات مختلفة (التوحد، الشلل الدماغي، التثلث الصبغي).
وأمام صعوبة الوضع، تعترف عزيزة أنها راودتها فكرة الاستسلام، لكنها سرعان ما أدركت أنها من طينة النساء اللواتي يقبلن برفع التحدي مهما كانت الصعاب، لتدشن لمرحلة جديدة في البحث عن المعرفة واكتساب المهارات مستمدة كل الدعم من أسر الأطفال. رحلة البحث العصامية هاته، والتواصل مع عدد من المختصين في مجال الإعاقة استمرت لسنوات إلى أن حدث المنعطف الذي سيغير مسارها نحو آفاق أرحب، ففي 2014 تتذكر عزيزة العروسي أنها التقت بمدينة العيون بالحقوقية الراحلة سمية العمراني، التي كانت حينها رئيسة تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد بالمغرب.
هذا اللقاء في تقدير عزيزة لم يكن عابرا ولا قابلا لأن يطويه النسيان، بل شكل علامة فارقة في مسارها، وكان بمثابة نبراس أنار لها درب النضال والترافع من أجل أطفال التوحد وذوي الاحتياجات الخاصة بجهة الداخلة وادي الذهب.
وهكذا، تضيف عزيزة، و لدت جمعية “الأمل المشرق للأطفال في وضعية إعاقة”، التي أصبحت منارة أمل للأسر في هذه الجهة. من خلال الجمعية، نظمت دورات تكوينية سواء للمشرفين التربويين أو أسر الأطفال، معتمدة في ذلك على استراتيجيات تدخل متقدمة لتحسين مهارات الأطفال ذوي التوحد، لاسيما بعد أن تو جت جهودها بحصولها على دبلوم من المركز الوطني محمد السادس للمعاقين بسلا، الذي يعتبر منصة مرجعية في مجال رعاية ذوي الإعاقة ومواكبة النسيج الجمعوي في مجال التكوين.
وتمكنت عزيزة العروسي من تعزيز ودعم قدراتها في المجال بالحصول على دبلوم آخر من وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، حيث كانت من بين 64 إطارا على صعيد المملكة استفادوا من هذا البرنامج، مما كان له بالغ الأثر وشكل إضافة نوعية في العمل داخل الجمعية، على حد وصفها. بفضل تفانيها وتضحياتها، تمكن العديد من الأطفال ذوي التوحد من الاندماج في المجتمع وتحقيق إنجازات مميزة، فمنهم من حصل على شهادة البكالوريا واختار مسارات مهنية في قطاع الصحة، وهناك نموذج آخر لتلميذ كان يعاني من الشلل الدماغي تمكن من الحصول على البكالوريا وألف روايتين، بالإضافة إلى أطفال آخرين واصلوا دراستهم الجامعية بامتياز حتى خارج الداخلة.
لم تقتصر إسهامات عزيزة العروسي على التعليم والتربية والمواكبة، بل شملت أيض ا التوعية بحقوق الأطفال ذوي التوحد، حيث تشدد في كل اللقاءات التي تنظمها الجمعية أو التي تشارك فيها داخل المغرب وخارجه على ضرورة تحسين التكفل بالأطفال ذوي التوحد وتشجيع اندماجهم في البيئة التربوية والسوسيو-اقتصادية.
وتعتبر العروسي أن مسايرة التطورات العلمية والتربوية المتعلقة بهذه الفئة من الأطفال و دعم تمدرسهم وتمكينهم من تعلم وتملك كفايات ومهارات جديدة، بات ضروريا لتحقيق الاندماج الكامل لهذه الفئة في مجتمعها دون تمييز ولا إقصاء.
وتشدد عزيزة العروسي، عضوة اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان، والتي تم تكريمها في العديد من المناسبات على أن الطريق مازال طويلا لكن سر النجاح يتمثل في الصبر والعزيمة والإرادة القوية والمثابرة للوصول إلى المبتغى، معتبرة أنها “مؤمنة وعلى قناعة تامة بأن هؤلاء الأطفال يستحقون كل التضحيات حتى وإن تطلب الأمر مغادرة منطقة الراحة التي يستهوينا المكوث بها”.
لا يختلف اثنان على أن عزيزة العروسي أضحت بفضل تفانيها وإصرارها مثالا للمرأة المغربية التي تنير دروب الآخرين وتصنع فرقا حقيقيا في حياة الأطفال ذوي التوحد وأسرهم، مما يجعلها نموذجا ي حتذى به في مجال العمل الجمعوي والتربوي.
