إعداد “آتاي” في العادات والتقاليد الصحراوية.. تشريف لا يمنح لأي كان!

الداخلة بلوس :
ينفرد المغرب بغناه بمجموعة من العادات والتقاليد التي تميز كل منطقة عن الأخرى.

فأينما وليت وجهك تجد تقاليد وثقافات تختلف من جهة إلى أخرى، فثقافات الصحراء بالجنوب المغربي تختلف عن ثقافات الشمال، وثقافات الغرب تختلف عن ثقافات المشرق، وكذلك بوسط جبال الأطلس هناك ثقافات تختلف تماما عن الثقافات الأخرى.

ولعل قوة المغرب وعراقة ثقافته وحضارته تكمن في هذا الاختلاف الذي يعطي طابعا متميزا يضع المغرب في مصاف الدول الغنية ثقافيا وحضاريا ويجتمع فيه ما تفرق في غيره.

وبالنظر إلى المجتمع الصحراوي، نجد أن أكثر ما يميزه هو ثقافة شرب الشاي، إذ يحرص أهل الصحراء على احترام تقاليد إعداده، فعادة ما تقام في مجالس ومناسبات خاصة، فله دلالات رمزية وأسطورية.

فأهمية الشاي بالنسبة لهذا المجتمع وفي عموم الصحراء المغربية، لا تكمن في قيمته كمشروب، بالقدر الذي تتصل برموزه الثقافية، حيث يمثل علامة بارزة للبرهنة على الكرم وحسن الحفاوة، كما أنّه من أوْلى ما يستحسن أن يستقبل به المدعوعند استضافته، ولهذا يقلَ أن تجد بيتاً صحراياً لا يتوفر على كمية كبيرة من مادة هذا المشروب الغالي ذي المكانة الكبيرة في نمط تفكير الناس وأسلوب عيشهم.

كما أن زمن الالتفاف حول صينية « الآتاي » تكون في الغالب أثناء الليل، باعتباره اللحظة المحببة للنفوس والساعة التي يحلو فيها السهر والمسامرة، إذ يستحيل أن تقام جلسة في الليل من دونها؛ أي الصينية أو « الطبلة » كما هو معروف، لكونها مركز الاجتماع والاستمتاع بأطيب الأقاويل في الشعر والحكمة، وفي تبادل الأحاديث والنقاشات في الامور التي تهم الحياة بشكل عام.. وكلما كان عدد الأفراد الحاضرين في الجماعة كثيراً، ازدادت فرصة الاستئناس باللحظة أكثر وتقوت حظوظ تبادل الإفادات في الجلسة.

والمهم في إعداد الشاي الصحراوي، أنه لا يمنح شرف تولي مهمة تحضيره، إلا لمن استوفى الشروط، ومنها أن يحمل نسباً عريقاً، وأن يكون ذا سيرة حسنة، مرفوقة بضرورة اتسامه باللباقة، وخلوقاً يجيد إلى جانب ذلك فن الحديث والاستماع، واحترام عادات التحضير المتعارف عليها بمهارة، مع قدرته على أخذ زمام المبادرة في النقاش، والأخذ بعين الاعتبار كل ما يستوجبه ذلك من جودة وإتقان ومهارة تلازمه من البداية حتى نهاية السمر.

وبالتالي فشرف إعداد الشاي، ليس تكليفا، وإنما شارة تشريف وحظوة لا ينالهما من الجالسين، إلا من هو أهل لهما، ممن ابتسم له الحظ ونال هبة القبول، وله فوق كل هذا موقع اعتباري في قلوبهم.

وبالإضافة إلى ذلك، يحمل هذا الطقس وتلك الطريقة في الاختيار، دلالة عميقة لإظهار الهالة التي يتم إضفاؤها على الجلسة، والمرتبة التي يحوزها الشاي في حياة القبيلة كمشروب شعبي.

قد يكون « آتاي » من المشروبات الضرورية التي لا يخلو منها بيت مغربي، وقد يكون في الصحراء المغربية دليلا على العزة والكرم وحسن الضيافة.. إلا أنه يظل رمزا من رموز الإنتماء إلى هذا البلد الأمين..

Loading...