الذكرى 45 للمسيرة الخضراء : ” الدلالات والمسار و المكاسب “

الداخلة بلوس : الحسن لحويدك
منذ استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية إلى حضن الوطن الام بفضل المسيرة الخضراء سنة 1975 ، شهدت الصحراء المغربية منجزات في شتى المجالات وعلى مختلف كل الأصعدة . كما عرف النزاع المفتعل الإقليمي حولها مسارا وتحولات سياسية مهمة طبعت محطاتها ، وواكبتها تطورات شكلت تراكما إيجابيا في ملف القضية الوطنية على جميع المستويات وطنيا و دوليا .
فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة عام 1991 ، وانطلاقا من الإيمان العميق بعدالة ومشروعية قضيته ، انخرط المغرب بنية صادقة في عملية الاستفتاء التاكيدي لمغربية الصحراء ، التي تم نسفها من طرف خصوم الوحدة الترابية .
في هذا السياق ، طلبت الأمم المتحدة من أطراف النزاع تقديم مقترحات سياسية بديلة ، لتسوية هذا الخلاف الإقليمي ، الذي لا يعدو كونه في حقيقة الأمر ، إلا نزاعا مصطنعا من النظام الجزائري لاستدامته من اجل معاكسة المغرب في وحدته الترابية ، في حين أن جبهة البوليساريو الانفصالية لاتملك سلطة القرار ، وتستعمل فقط من اجل الترويج الإعلامي .
وفي هذا الإطار ، تقدم المغرب ، سنة 2007 ، بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته ، و هي المبادرة التي لقيت استحسانا واسعا من طرف المنتظم الدولي نظرا لمصداقيتها وجديتها وواقعيتها ووجاهتها ، كحل سياسي توافقي عملي ودائم لا غالب فيه ولا مغلوب ، ويحفظ ماء الوجه لكل أطراف نزاع الصحراء المغربية الذي طال أمده.
وقد ثمنت كل الفعاليات الوطنية والقوى الحية للشعب المغربي ، خصوصا ساكنة الأقاليم الجنوبية، بمختلف مشاربها وقبائلها ، مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة المغربية ، التي رأت فيها طرحا جادا ، يتيح لنخبها تسيير انفسهم بأنفسهم ، في إطار ديمقراطي يحترم مختلف التمثيليات الديمقراطية والتشاركية.
ومقابل ذلك ، أصر الانفصاليون وكفيلتهم الجزائر على التشبت بالطرح الانفصالي التعجيزي المتمثل بالاستفتاء – المسمى في نظرهم بتقرير المصير ، الذي تاكد للمنتظم الدولي بانه غير قابل بتاتا للتطبيق ، ما دام لم يحصل التوافق على الهيئة الناخبة في عملية تحديد الهوية ، تبعا للمعايير التعجيزية المعرقلة التي نهجتها البوليساريو بإيعاز من النظام الجزائري ، بالتشبث الارعن بعدم قبول عدد كبير من الصحراويين الذين لهم الأحقية في التصويت ، وبذلك تم اجهاض هذه العملية برمتها في رحمها، ما أدى بممثل الأمين العام للأمم المتحدة سابقا السيد فالسوم إقرار استحالة إجراء الاستفتاء .
وعلى المستويين القاري والدولي ، انتقل المغرب من الوضع الدفاعي إلى الهجومي ، بفضل الدبلوماسية الملكية الحثيثة ، التي ساهمت في تقليص عدد كبير من الدول التي كانت تعترف بالكيان الوهمي الانفصالي خاصة على المستوى الإفريقي .
كما ان عودة المغرب ، او بالأحرى ، عودة الاتحاد الإفريقي إلى المغرب ، انهى سياسة الكرسي الفارغ التي كانت يستغلها خصوم الوحدة الترابية في هذه المنظمة القارية .
وقد توجت هذه المبادرات الدبلوماسية بالزيارات المتتالية التي قام بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس للعديد من الدول الإفريقية ، تمخضت عنها إبرام مجموعة من الاتفاقيات تخدم المصالح المشتركة في إطار التعاون جنوب – جنوب في كل أبعاده ، على أساس معادلة رابح – رابح .
وعلى هذا الأساس ، بادرت 15 من الدول الإفريقية لافتتاح قنصليات تمثيلية لها في كل من حاضرتي كبريات مدن الاقاليم الجنوبية سبعة بالعيون وثمانية بالداخلة ، فانضافت الإمارات العربية المتحدة لتكون اول دولة عربية تفتتح قنصلية لها بالعيون .
خطوات دبلوماسية لهذه الدول الشقيقة والصديقة تعزز مغربية الصحراء ، وتكرس الدعم والمساندة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، وتشيد بالإنجزات المقامة بالاقاليم الجنوبية عامة ، وجهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب على وجه الخصوص ، اللتين أضحتا منصتين للتلاقي بين المغرب وعمقه الإفريقي ، مما سيدعم القضية الوطنية ، و يحقق مكسب استثمارية على المستوى الاقتصادي .
انضاف لهذه المكتسبات الدبلوماسية ، توطيد العلاقات المميزة مع الاتحاد الأوروبي ، بالمصادقة ودخول اتفاقية الصيد البحري بشكل صريح ليشمل مجال تطبيقها الاقاليم الجنوبية للمملكة ، وهو ما شكل دعما جليا و تزكية واضحة لوحدة المغرب الوطنية وسيادته الترابية على كل مناطقه من طنجة إلى لكويرة .
وفي الإطار نفسه ، اقرت الولايات المتحدة الأمريكية تقديم مساعدات مالية للمغرب تشمل الصحراء المغربية ، حيث وافق مجلس النواب الامريكي، في وقت سابق، على مشروع قانون لا يستثني الصحراء المغربية من المساعدات الموجهة إلى المغرب في ميزانية الإنفاق العام .
و تلا هذه المنجزات السياسية والقانونية ، ترسيم الحدود باعتماد قانون بحري جديد، صدر بالجريدة الرسمية ، يخول بموجبه للمغرب التدبير القانوني للمشروع وفق العلاقات الدولية في هذا المجال .
وفي ما بات يعرف إعلاميا لعموم المتتبعين لملف الصحراء المغربية ب ” جعجعة الكركرات “، حين اقتراب موعد تقديم الأمين العام للامم المتحدة ، وإصدار مجلس الامن قراره السنوي بشأن قضية الصحراء المغربية ، يتم تسجيل مجموعة من الاستفزازات والمناورات التي اعتاد الكيان الانفصالي، بدافع من النظام الجزائري ، القيام بها بغية التأثير في هذه التقارير الاممية ، كمحاولة شل حركة العبور المدني و التنقل التجاري في هذا المركز الحدودي المغربي ، حيث تبوء في كل مرة هذه المحاولات اليائسة بالفشل ، وهو ما يجعل البوليساريو في مواجهة مع الامم المتحدة ومجلس الأمن بسبب هذه الاستفزازات التي يتم خرقها في المناطق العازلة في تحد سافر لاتفاق وقف إطلاق النار .
ومن اهم المكتسبات المحققة أيضا في هذا المسار التراكمي الإيجابي ، قام المغرب بتفعيل أسس الجهوية المتقدمة بالأقاليم الجنوبية ،على غرار كل جهات المملكة ، مما كرس المقاربة التمثيلية الحقيقية التي مكنت ساكنة الصحراء المغربية من تدبير شؤونهم بأنفسهم ، وهو المكتسب الذي سيؤسس لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي على أرض الواقع .
وارتباطا بمواصلة مسلسل النماء بالاقاليم الجنوبية، الذي عرف تطورا ملموسا ، في شتى المجالات ، تعززت منطقة الصحراء المغربية بإرساء النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية الذي اعطى انطلاقته الفعلية جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ، بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء ، من مدينة العيون ، بمبلغ 77 مليار درهم ، حيث تم وسيتم إنجاز أوراش كبرى تخدم العنصر البشري في مختلف المجالات .
وعلى المستويات التمثيلية والمدنية والحقوقية ، تنبغي الإشادة بتصاعد التوجه الوحدوي مقابل تآكل الطرح الانفصالي ، مما وضع حدا لمزاعم التمثيلية الوحيدة .
ولعل ابرز المستجدات في هذا السياق ، هو تصدي كل الفعاليات الوحدوية المنتخبة والاعيان والشيوخ والمجتمع المدني والقوى الحية في الأقاليم الجنوبية، للاستفزازات التي طالت مؤخرا الوحدة الترابية في المركز الحدودي المغربي بمنطقة الكركرات ، وشجبهم وتنديدهم للمشروع السياسي الانفصالي التجزيئي الفاقد لكل أهلية وشرعية.
وفي آخر قرار لمجلس الأمن الدولي رقم 2548 الصادر يوم 30 اكتوبر 2020 تم تمديد ولاية بعثة “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2021 ” ، واقر بسمو مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي للتسوية النهائية لقضية الصحراء المغربية ، داعيا إلى تعيين مبعوث جديد إلى الصحراء المغربية قصد مواصلة مسار المسلسل السياسي في إطار الموائد المستديرة ، بمشاركة كافة الأطراف المعنية ، وهي إشارة ضمنية تكرس المسؤولية السياسية للجزائر كطرف رئيس في إختلاق وإطالة امد هذا الخلاف الإقليمي .
واستنتاجا ، تبعا لما تحقق من مسار تراكمي إيجابي على المستويين الوطني والخارجي ، يتضح جليا ان المغرب يخطو خطى ثابتة في مسار قضيته الوطنية المشروعة ، وسيادة وحدته الترابية العادلة ، سواء من خلال مواصلة إرساء دعائم النماء وتحقيق التنمية المستدامة ، او من أجل إرساء سبل العيش الكريم لكافة مواطنيه بهذه الربوع الغالية بواسطة فعالياته ونخبه واعيانه ، في إطار المقاربة التمثيلية والتشاركية التي يسهرون على تدبيرها ، وهي الاعترفات الضمنية التي يؤكدها المنتظم الدولي ، ويبرزها في كل مرة مجلس الامن والأمم المتحدة في قراراته وتقاريره إزاء النزاع المفتعل حول مغربية الصحراء .
والاكيد انه لتعزيز هذه المكتسبات والمنجزات المحصلة ، لا بد من مواصلة روح هذه التعبئة الوطنية الشاملة لمواجهة المراحل الحاسمة المقبلة قصد الطي النهائي لهذا الملف المفتعل الذي ارق المغرب ومعه المجتمع الدولي.
ولذلك ومن اجل ذلك ، ينبغي المزيد من الاستثمار الامثل في التعبئة الشاملة التي ابانت عن حس وطني متميز في الترافع عن مغربية الصحراء ، وفي مقدمتها الدبلوماسية الملكية الحكيمة ، و الانخراط المواطن لكل القوى الحية للشعب المغربي .
ولتعزيز هذه المكانات الترافعية رسميا وشعبيا ، يجب الاستثمار الفعال للشباب الوحدوي ، خاصة في صقل مهاراته في مجال الثورة الرقمية التي اضحت تشكل دورا أساسيا في عالم الإعلام و المعرفة والاقتصاد ، للتصدي لمناورات خصوم الوحدة الترابية ، وتحديدا النظام الجزائري ، الذي لا زال يحن لزمن الحرب الباردة ، عبر فضح أساليب مناوراته اليائسة .
فللأسف الشديد ، لا زال هذا النظام يتمادى في عرقلة التسوية النهائية لهذا الخلاف الإقليمي ، متخذا من نزاع الصحراء المغربية عقيدة معادية للمغرب من أجل تحقيق طموحه اليائس المحوري في المنطقة المغاربية التي هي في حاجة ماسة لاندماجها وتكاملها خدمة لتنمية شعوبها الخمسة عبر تحقيق حلم إرساء صرح مغاربي ، قوامه التعاون و التضامن والتكامل .
إن المامول من الشعب الجزائري الشقيق، الذي تجمعه بالشعب المغربي قواسم مشتركة وتحديات مصيرية ، هو اخذ المبادرة لاستئصال الأورام الخبيثة للجشع التوسعي والبلقنة ، في إطار التماسك المغاربي، وتجاوز النظرة الضيقة ، بان يستعمل أوراق الضغط على مستويات فعالياته الأكاديمية وقواه الحية لكي يعود هذا النظام إلى جادة الصواب ، ويكف عن موقفه الجائر المعادي للوحدة الترابية والوطنية للمغرب .
إن عالم اليوم يعيش عصر التكتلات الاقتصادية الكبرى للتغلب على مجموعة من التحديات التي تواجهه ، وخيار طرح الانفصال لم يعد مقبولا ولا معمولا به ، والمجتمع الدولي اضحى، اكثر من اي وقت مضى يفضل الحلول السلمية لتسوية الخلافات والنزاعات .
والجدير ذكره في هذا السياق ان العالم في ظل ما طرحته ازمة جائحة” كورونا ” كوفيد 19 ، من تداعيات ، على كل المستويات ، اكيد ان البشرية ستدخل في مرحلة نظام عالمي جديد ، برهانات وتحديات مغايرة للنمط المعمول به، قبل فترة هذه الجائحة .
فمن الحكمة ان يرجع النظام الجزائري إلى فضلية الحوار الجاد الصريح ، لطي هذا الملف المفتعل بصفة نهائية، خدمة لمصلحة الشعبين الشقيقين ، وعبرهما لكل شعوب المنطقة المغاربية ، لان الذي يدفع الثمن جراء ذلك هي الشعوب المغاربية .
وفي هذا الشأن ، يجب على المنتظم الدولي ان يتحمل المسؤولية القانونية والإنسانية والاجتماعية لتغيير هذا الوضع ، والاتجاه نحو فرض منطق التسوية الجذرية التي طرحها المغرب على أساس مبادرة الحكم الذاتي التي تحفظ ماء الوجه لجميع الاطراف.
وبذلك ، سيتعزز استتباب السلم والاستقرار والامن في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم التي اضحت بؤرا تعاني من التشرذم والتمزق ، و تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة ، و الاتجار في البشر و المخدرات والهجرة السرية، خاصة في منطقتي الساحل والصحراء .
ولعل في تحقيق هذا الامل المنشود ، سيتمكن إخوتنا المغاربة الصحراويون من العودة إلى الوطن الام ، ولم شملهم بذويهم في إطار الوطن الواحد الموحد الذي لا يقبل التشتيت .

Loading...