قصة نجاح يمثلها حاكم- ” الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم”

لو أمْعنتم النظر في الدول العربية من حيث صيانة الدولة وتطويرها للاَحظتم وجود نوعين من نُظم الحكم، نُظم تدعو إلى المعرفة و العلم و حققت الرُقي والازدهار. نُظم عانت من التخلف و الحروب جعلتها قاصرة في نهجها متذبذبة في خطواتها، ‏كما يرى البعض. لا يمكن أن تنهض المجتمعات مهما كانت كبيرة أو صغيرة، غنية أو فقيرة، دون أسلوب حكم رشيد و منسجم. يعمل على تطوير شعبه وتحقيق تطلعاته واحتياجاته، وبأسس وإستراتيجيات بناءة يُبعد المجتمع عن دائرة الفقر والنزاعات الداخلية البحتة.

لا نريد أن نعمم أيًّا من النظرتين، فالحال لا ينطبق على جميع الدول العربية. فهناك بلدان تعمل جاهدة في الإتجاه الصحيح وهي بلا شك تساهم في تنمية شعبها سواء علي المدى الطويل او القصير.

وهناك بلدان نرجو أن تواكب التطور حتى تُحقق الازدهار. لكن بشكل عام العرب بحاجة إلى نهضة تنموية وعلمية، حتى يستطيعوا الاستفادة مما لديهم من طاقات بشرية و موارد طبيعية وثقافية تمكنهم من التطور في شتى مجالات الحياة.

“إن الأفضل يحكمون الجميع باعتبارهم الأفضل” أرسطو، إن السياسة التي اتبعتها الإمارات العربية المتحدة في مجال الإنماء، كانت ذات إنجازات لا محدودة ، و نتائج مبهرة، لا من زاوية الحساب الرياضي الموضوعي فحسب، بل و كذلك من حيث الكيف و النوع لدرجة أنه، كان يظن أن تحقيقها من المحال أو اللَّامعقول. لكن الحقيقة التي يراها الكثيرون بنفس السُّطوع الظاهر ، ونفس الجلاء و التميز، أن وراء تلك الإنجازات التاريخية جهود جبارة و إرادة لا تُقهر. فقد بدت للسَّاسة الإماراتيين أن كل التحديات مجرد عقبات قابلة للتَذليل و يجب اجتيازها. ولذلك وضعوا أفكارا علمية واستراتيجية يجب تحقيقها على أرض الواقع. أوصلت الدولة إلى درجة راقية من التطور والإصلاحات المختلفة في جميع مناحي الحياة, بهذه الانجازات صاروا الافضل. و العبرة المستخلصة من ذلك أن الإنسان لديه القدرة على التطور في حدود رغبته،وفي إطار معرفته. فَمادامت لديه المعرفة والمعلومات التقنية والإرادة الصادقة فإن لديه القدرة على تحقيق الحياة السعيدة والكريمة وتطويرها لِصالحه.

الإمارات من الإرادة إلي التنفيذ، من الأسئلة الأكثر إلحاحًا ونحن نتأمل سر ارتقاء دولة من الدول العربية و سَيره في الطريق الواثقة للتطور.. أن الإمارات العربية المتحدة صارت من دول العالم المتقدم كيف ؟ بفضل الإرادة والعمل و عن طريقهما صَنعت ثورة اقتصادية وعمرانية و عِلمية واجتماعية.. يحق لنا أن نفتخر بها، وأن تكون للعرب نموذجًا يُحتذي به. و ذلك ما دفعني أن أكتب هذا النص لإبراز أهمية دور الحاكم المصلح في تطوير المجتمع. فَقد اعتمدت الدولة سياسة الإرادة والعمل و ذلك بتبني استراتيجيات متعددة تتمثل في إيجاد الحلول للمشاكل المطروحة في المجالات المختلفة والطموح للوصول للأفضل من جهة، ومن جهة أخرى استثمرت في المواطن وجعلته صُلب العملية التنموية والهدف الأساسي و الغاية الأسمى لها. وقد شاهدت تلك الإرادة في تحقيق هذه الرسالة السَّامية عندما كنت أقيم في الدولة فَالاهتمام بالإنسان بالامتيازات والحقوق المكفولة له، والالتزامات المفروضة عليه…جعلت منه نموذجا في الوعي والنماء.

و تجسد أيضا كلمة المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان تلك الرسالة عندما قال في استغراب مامعناه،”كيف للمواطن أن يسكن بالإيجار”… فَالدولة اذًا لا تشغلها الهموم والمشاكل الخارجية عن الصالح العام الداخلي للفرد والعمل على تطويره وتوازيًا مع سياق حركة المجتمع وحاجاته على مدار الفترات الماضية من الإتحاد إلى اليوم.

ظهر من هذا المجتمع شخص متميز ذو اهمية كبيرة في المنظور الراهن والذي تناول المسؤولية التطويرية الممنهجة للبلد، وقام بقفزات كبيرة بصفة خاصة في إمارة دبي سابقةً لمثيلاتها في الدول العربية. فالإيمان بالهوية والانتماء والإرادة هو بداية تحوله إلى إنسان مخلص لشعبه وأمته، ومؤمناً بأهدافه التطويرية ساعياً إلى تحقيقها إنه إنسان مُحدِث وسيادة التفكير العقلاني سيمته وحاجة الإنجاز حقيقته، انسان ابتكاري يبحث عن الحلول و البدائل إنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

دبي مثال للنهضة في العصر الحديث

إنها المدينة الذكية، أليس من الملفت أن تصل مدينة الى هذا القدر من الإزدهار في فترة قصيرة ؟ أم أن الأمر معقول الا أننا نكره التحدي والعمل ؟ إن قناعة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن التنمية والتطور يجب أن لا تكون مجرّد أفكار ترفع ولا شعارات يتغني بها، بل عمل من الواقع إلي الفكرة إلى الواقع وتحديد الوقت للوصول الى الهدف المطلوب، وذلك بطرق إستراتيجية قابلة للتطبيق .. دبي من مدينة صغيرة إلى مدينة عالمية في الشكل والجوهر. كثيراً ما يسألني الناس بانبهار لماذا تطلق دبي باستمرار مشاريع جديدة ومختلفة ؟، مناطق للإعلام، موانئ، مطارات جديدة، وشركات في قطاع الطيران وغيرها ؟ لماذا كل هذا؟ الإجابة في دستور دبي غير المكتوب، تنويع المصادر هو القاعدة الرابعة لنجاح دبي، من كتاب “قصتي لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم”.

العمل الجاد ونتائجه، ترجع الثورة الاقتصادية و التَّطور السريع لإمارة دبي إلي الاهتمام بجميع مجالات الحياة المختلفة. فمنذ أن تولي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حكم الإمارة عام 2006 استكمل مسيرته التنموية التي بدأها عام 1996. وتعتبر فترة قصيرة مقارنة بالإنجازات والإصلاحات التي ارتقت بها إلى أن وصلت مصاف أشهر مدن العالم و أصبحت تنافس عدة مدن عالمية من حيث التطور المذهل والازدهار والحياة الراقية. فبعد فترة من الحكم أعلن عن خطة دبي الاستراتيجية و استراتيجية حكومة الإمارات، وإطلاق مؤسسة محمد بن راشد. أما في عام 2010 فاطلقَ رؤية الإمارات “2021 الإستراتيجية”. تهدف هذه الرؤية إلى تحقيق التقدم والتنمية في القطاعات الإقتصادية، الإجتماعية، المعرفة، البحث، التكنولوجيا، العدالة والانشطة الاقتصادية والسياحة وتطوير رأس المال الوطني … بدل النفط بل و تحقيق الريادة فيها.

إن سياسة الإمارة في إنشاء المنطقة الحرة خلقت دور حيوي في مجال التنمية الاقتصادية لها حتى صارت مركز إقليمي وعالمي للتجارة والخدمات المالية ومنطقة استثمار أجنبي. فهي تضم اكثر من 20 منطقة حرة وهذا ما جعلها تستحوذ على أغلبية الصادرات لانه كلما زاد التصدير زاد التنافس وهو ما ساعد أيضا بدوره في هذه الطفرة الاقتصادية السريعة.

كانت استراتيجية السياحة من الاستراتيجيات الهامة لتنمية الإمارة، وذلك بهدف أن تصبح دبي مركزًا ومقصدًا سياحيًا عالميًا بل و أكثرها جذبًا و وفق أحدث النظم. فقد تجاوز عدد الزوار في عام 2019 إلى 2,9 مليون بالإضافة إلى ذلك توفر الكثير من المعالم السياحية مثلًا متحف الاتحاد، متحف دبي.. و الخدمات العامة والخاصة والتجارية مثل دبي مارينا، الأسواق الكبرى، خليج الأعمال والقرية الثقافية، مطار مكتوم الدولي…و القائمة تطول. فوجود هذه الخدمات جعلها محركًا نحو التقدم ومعيار للتشغيل وحول الإمارة من مجتمع صغير إلى مجتمع كبير و متعدد المطالب و النشاطات.

أما من جهة القطاعات الصناعية والتجارة الخارجية مع تنوعها وتنوع شركاءها ، فقد سجلت أيضا تطورا ملحوظا ودليل ذلك أن كثير من الشركات العالمية جعلتها مقرا لشركاتها و أعمالها لقوة اقتصادها، وقدرتها علي العمل في المستجدات والطوارئ مثل شركة سيلفر باين..

و في مايخص التعليم الذي يُعتبر الركيزة الاساسية لتقدم المجتمع و مفتاح تطورها ” إن الثروة ليست ثروة المال بل ثروة الرجال..” الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أنتقل هذا القطاع بوتيرة متسارعة وكان من بين الأمور الأساسية لتطور البلد بصفة عامة ودبي بصفة خاصة، من النمط التقليدي البسيط الذي مازال بعض بلدان العالم تتمسك به إلى نمط حديث بأنظمته الألكترونية و برامجه وخدماته.. حيث تشرف عليه هيئات متخصصة، مثل مجلس دبي للتعليم وهيئة المعرفة والتنمية البشرية وذلك بهدف الوصول بالقطاع إلى المعايير العالمية في جودته. أما سياسة التعليم العالي التي تقوم بفرض تكاملية النظام التعليمي وذلك عن طريق سياسة الرقابة و تقييم البرامج التعليمية وهذا ماجعل الخريجين يمتلكون مهارات ممتازة في سوق العمل . فالامارة تستضيف جامعات إقليمية ودولية (جامعة ولونغونغ، الجامعة الأمريكية بل إن العديد منها جعلها مقرا له، لأنها توفر مناخًا ملائماً للتعلم والعمل والابتكار والإبداع ببنيتها التحتية و البحثية وجامعات وطنية جامعة حمدان الذكية و كلية دبي الطبية ومعاهد…

كما توفر أيضا خدمات لأكثر من 20 ألف طالب من أنحاء العالم، وتضم أكثر من 400 برنامج جامعي خاص بالدراسات العليا. اضافة الى ما توفره من المختبرات الحديثة على سبيل المثال منصة الإمارات للمختبرات العلمية التي توفر بدورها أبحاث متقدمة لرفع مستوى القطاعات العلمية، وتضم ايضا هذه المنصة عدد كبير من المؤسسات البحثية في الدولة، على سبيل المثال مركز محمد بن راشد للفضاء، جامعة الامارات، جامعة خليفة.. والقائمة تطول بالإنجازات والإصلاحات و خلال فترة وجيزة أسست دبي نظام تعليمي متطور.

إن مشاركة الشباب في تسيير البلد وادماجه في العملية التطويرية و مراكز القيادة و الحيوية على سبيل المثال وزارة الذكاء الاصطناعي، وزارة الدولة للعلوم المتقدمة والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية.. لهو خلق للثّقة وترجمة لسياسة متطورة، فَالشباب هم ثروة ومن المفروض استثمارها في تنمية بلدانهم وهم الأمل ولأن النماء والتطور يبدأ بهم

بهذه الاستراتيجيات الموضوعية والإنجازات المختلفة علي سبيل المثال لا الحصر، جعلت الإمارة محط أنظار المستثمرين الدوليين واصبح اسمها مقترن بالتقدم والرفاه والتمدن، و من المؤكد لا دخل للصدفة إلى ما وصلت إليه إمارة دبي من الازدهار ، وإنما حجم البرامج التطويرية المنفذة والسياسة الحكيمة. و ستظل مثالاً واضحا لنجاح سياسة نظام حكم وقصة نجاح ترويها الأجيال. وسيظل كفاءة الحاكم معيارًا للتطور والبناء والتقدم. فلا وجود لكلمة السر في نجاح خطة دُبي، بل يمكن القول إن دُبي جسدت بالجد والعمل تجربة تنموية رائدة و بإرادة حقيقية للنمو والتطور ومبادرات من الإنسان إلى الإنسان وأنها نجحت وستظل تمثل درساً لمن يَطمح للبناء الحقيقي وليس البناء على صفحات التواصل الاجتماعي وشاشات القنوات التلفزيونية.

مريم بنت اصوينع

Loading...