“سؤال منظومة القيم في زمن كورونا” بقلم الأستاذة الجيدة اللبيك

الداخلة بلوس:
 بقلم الأستاذة : الجيدة اللبيك
استيقظ العالم مذعورا على هول صدمة الظهور المباغت لحالات المصابين بوباء فيروس كورونا المستجد كوفيد19، في أقصى الشرق في الصين، الذي تكمن خطورته في سرعة انتشاره فهو ينتشر كانتشار النار في الهشيم، وانهارت أمام شراسته أعرق وأرقى الأنظمة الصحية داخل كوكبنا الازرق.
وفي الوقت الذي وقف فيه العالم مشدوها و مرتبكا، تحت وطأة الصدمة بادر ضامن وحدتنا والساهر على سلامتنا امير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره و رعاه، برؤيته الاستشرافية المتبصرة وحدسه الأبوي الرؤوف إلى اتخاد التدابير الاستعجالية و الإجراءات الاحترازية الحاسمة الجريئة التي جعلت مصلحة شعبه الوفي فوق كل اعتبار مهما بلغت كلفتها الاقتصادية، فكان القرار التاريخي الجريء والمسؤول لتطبيق الحجر الصحي وإغلاق الحدود، سائرا بذلك على نهج السيرة العطرة لجده المصطفى صلى الله عليه وسلم في التصدي لوباء الطاعون.
كان الشعب المغربي في مستوى الحدث، فالتزم بالتعليمات الملكية السامية، وطبق الحجر الصحي، راسما أروع لوحة لأروع ملحمة وطنية تاريخية جسدت التحام الشعب بالعرش في اصدق تجلياته وأوثق تمظهراته، فظهرت مبادرات رائدة عظام، وقدمت تضحيات جسام لخدمة المجتمع المغربي خلال الحجر الصحي، من طرف نساء ورجال الاطقم الطبية و التمريضية والوقاية المدنية والإسعاف والسلطات المحلية والمصالح الأمنية وعمال النظافة والمشرفين على التطهير و التعقيم وغيرهم… وفي الوقت نفسه، بصمت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المرحلة بتأمين الاستمرارية البيداغوجية عبر تبني التعليم عن بعد لتعذر التعليم الحضوري. ونجحت العملية بالتعبئة الشاملة والانخراط التلقائي لمختلف مكونات المنظومة التربوية والتلاميذ وأسرهم والمجتمع المدني ومنظومة الإعلام…
وفي سياق هذه الظرفية الاستثنائية، وبصفتي مديرة أكاديمية معتزة بانتمائها لهذا القطاع، ارتأيت أن أكتب هذه الرسالة التربوية للتلاميذ والتلميذات المقبلين على اجتياز امتحانات البكالوريا بل وللعامة، في ظل الظروف الحرجة التي يعاني منها العالم بسبب جائحة كورونا.
وفي هذا الصدد أود الإشارة إلى أنه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فعلت الأكاديمية، صاحبة المبادرة، أدوار “قافلة نور القيم”، المكونة من فعاليات نسائية تمثل المجالس العلمية المحلية والمنتخبات واللجنة الجهوية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني، من خلال إشرافها الميداني على تنظيم لقاءات تواصلية وتفاعلية مباشرة مع تلاميذ مستوى البكالوريا. هذه اللقاءات شكلت فضاء تربويا للحوار الهادف.
وسأركز على الموضوع نفسه الذي كنت أتناوله في مداخلتي ضمن فريق قافلة نور القيم، وهو يرتكز على القيم، إيمانا صادقا راسخا مني إن أهم زاد للحياة وامتحان البكالوريا ومواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد وغيره، هو اكتساب مجموعة من القيم الواردة في القرآن والسنة واحترامها والعمل بها والتحلي بها.
إن إطلاق اسم “قافلة نور القيم” على هذه المبادرة مرجعه الإيمان الصادق، أن القيم نور. فقد جعلها الإسلام نبراس المرء تنير دربه وتنظم علاقته بالخالق وبمختلف المخلوقات وبنفسه.
فالقيم من أهم المفاهيم الأخلاقية وأهم مكون نفسي من مكونات ضمير الانسان؛ فهي تشكل الخطوط العريضة التي يسير عليها الإنسان، وتنظم حياته.. أن القيم أخلاق، وديننا الإسلامي أخلاق، حيث أن الآيات القرآنية المليئة بالحث على القيم المفضية والداعية إلى دماثة الأخلاق ومكارمها، كما خصص النبي صلى الله عليه وسلم معظم أحاديثه للأخلاق والقيم، ومن المهم جدا أن نعرف أن خبراء وباحثين وعلماء مسلمين وغير مسلمين اكتشفوا حقائق علمية تثبت مزايا هذه القيم، مما يجسد تقاطع الدين مع العلم فيها، وتجدر الإشارة إلى أن الديانات السماوية تتقاطع أيضا في هذه القيم.
القيم الدينية تنبني وتتأسس على قيمة محورية وجوهرية واحدة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تشمل علاقة الإنسان بالخالق وعلاقته بباقي الخلائق وعلاقته بنفسه.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر، سأتناول غيضا من فيض هذه القيم، في بعدها الديني والعلمي، وعلاقتها بالجائحة، وتجليات هذه القيم في المجتمع الحساني، وهي قيم الحمد والشكر والعطاء والتسامح والعفو، على أساس أن أتناول قيما أخرى، لاحقا ومن أبعاد مختلفة.

قيمة الحمد والشكر
إن كلمة الحمد هي أولى كلمات المصحف الكريم، بعد بسم الله الرحمن الرحيم، وبها استهلت فاتحة الكتاب: الحمد لله. فالحمد هو أعلى مراتب الشكر والامتنان، والامتنان من الإيمان، ومن الإيمان الرضى والقبول بالقضاء والقدر خيره وشره، وهو الثناء لوجهه تعالى لما أنعم به علينا من نعم لا تعد ولا تحصى، لقوله تعالى: “أن تعدوا نعمة الله لا تحصوها”. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزيدنكم وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إن عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. فكلما أكثر الانسان من الحمد دخل في منظومة الشكر ودائرة الحمد فيكون منسجما مع الكون جاذبا للمزيد من خيراته، لأن الحمد يرفع مستوى ودرجة الطاقة الإيجابية والذبذبات ويفتح الأبواب. وكلما ركزت على الشيء الإيجابي تستقبل كل ما هو إيجابي، وهذا ما اكتشفه وأكده وزكاه علماء الطاقة الحيوية.
ولطالما كررت في مداخلاتي أمام التلميذات والتلاميذ بأن علينا أن نحمد الله على ما نتمتع به في الجهة من أمن وأمان واستقرار ونعم…
ولئن كان شكر الله وحمده لصفته وذاته، ولنعمه وأفضاله، فشكر الناس من شكر الله. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فلا ننسى في هذه الظرفية أن نخصص الامتنان والشكر لأناس كانوا ولا زالوا مرابطين في الصفوف الأمامية، لمواجهة هذا الوباء الذي اجتاح بلادنا، لضمان سلامتنا وراحتنا، من أطقم طبية و تمريضية بالمستشفيات، و نساء ورجال السلطات المدنية والعسكرية الساهرين على تطبيق النظام واحترام تدابير الحجر الصحي، و نساء ورجال التربية والتكوين بكل فئاتهم الذين تجندوا، منذ بداية هذه الجائحة، لضمان الاستمرارية البيداغوجية، والأمهات والآباء لمواكبتهم لبناتهم وأبنائهم في هذه الظروف الاستثنائية وكذلك المجتمع المدني والمجالس المنتخبة، كما نشكر الجميع على الالتزام بالإجراءات الاحترازية.
قيمة العطاء
قال تعالى في كتابه الكريم: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” كما قال عز وجل: “وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ”. فالعطاء في ذاته متعة للنفس وشعور بالسعادة. لقد اكتشفت الأبحاث العلمية أن العطاء يفرز عند صاحبه هرمون السعادة. ويذكرنا هذا بالقول المأثور: “أَسعدُ الناسِ من أَسعدَ الناسَ”، ناهيك عن عظيم قدره وثوابه عند الله سبحانه وتعالى الذي وعد المنفقين في نواحي الخير بنماء رزقهم لقوله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها”، فالصدقة تفرج الهموم وتيسر العسير وتقرب البعيد وتبعد الهم والغم وتنال بها الأجر في الدنيا والفوز في الآخرة. وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وتنجي صاحبها من عذاب النار لقوله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا النار ولو بشق ثمرة”، وفي أوقات عصيبة، مثل هاته التي نعيشها، كثيرون ممن يعيشون اليوم الفاقة في حاجة لمد العون لهم، وها هو ذا ملكنا الهمام يعطى المثال والقدوة للعطاء وهو يبادر بإحداث صندوق تدبير جائحة كورونا ويكون أول وأكبر المتبرعين فيه وعلى الجميع المساهمة في هذا الصندوق كل حسب إمكانياته.
وبهذا يبرهن المغرب والأمة الإسلامية للعالم عن كونها خير الأمم التي أخرجت للناس بتكافل أفرادها وتضامنهم وتلاحمهم.
قيمة العفو والتسامح
قال تعالى في كتابه الحكيم: ” وأن تعفوا وتصفحوا هو أقرب للتقوى” كما قال: “وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم” كما قال جل جلاله: “فمن عفا وأصلح فأجره على الله. والكاظمين الغيض والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”.
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:” ألا أدلك على أفضل أخلاق الدنيا والأخرة تعفو عن من ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك”، وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قدوة ونموذجا حيا للتسامح والعفو عندما سأل أهل مكة في فتح مكة: ما تظنون أنني فاعل بكم قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال لهم صلى الله عليه وسلم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
ومن أروع قصص التسامح قصة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص الذي بشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة وعند سؤاله عن عمله أجاب: “ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أَجِدُ في نفسي على أحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسدُه على ما أعطاه الله إيَّاه”.

وقد يتساءل البعض ما علاقة التسامح والعفو بما نحن فيه؟ فإن كان الحمد إيمانا بقضاء الله ورضى بقدره، والعطاء واجب لمساعدة من تضرر من هذه الجائحة، فاعلم أن التسامح ليس فقط دواء للروح وبلسما لها، بل له من الآثار الصحية ما أكدتها الأبحاث العلمية، في المجال الصحي، حيث تأكد أن التسامح يقوِّي جهاز المناعة، والقدرة على مكافحة العدوى والأمراض بشكل أفضل. كما أن التنفس يصبح أعمق وأكثر انتظامًا بعد مسامحتك لآخر أساء لك، ويتوقف الجسم عن إنتاج أنزيمات ضارة يتم إنتاجها عندما تكون في حالة غضب. وهذه الأنزيمات تزيد من التوتر، وترفع مستويات الكوليسترول وضغط الدم إلى معدلات غير مسبوقة، وقد نستغرب إن علمنا أن الجسم قد يفرز في حالة عدم التسامح أحماضا أودت بحياة فئران تجارب بعد اضافتها لطعامها، حين يكون الإنسان في حالة غضب واستياء. فهذا الفيروس المستجد، كباقي الفيروسات، يستهدف بشكل مباشر أنظمة الجسم المناعية، ويجد البيئة الملائمة لاستيطان الخلايا في جسم ضعفت مناعته، فلابد لنا كما يوصي بذلك الأطباء وعلماء النفس والطاقة من العناية بنظامنا المناعي من خلال اتباع حمية غذائية صحية، وتحصين أنفسنا من مدمرات المناعة، ومن أبرزها الشحنات السلبية من كراهية وبغض وقنوط ويأس والقلق وعدم التسامح… كل هذه المشاعر السلبية من شأنها، استنزاف طاقة الإنسان الإيجابية وإضعافه. فسامح حتى تحتفظ بطاقتك ولا تستنفذها في معاداة الآخرين والحقد عليهم.
إن التشبث بهذه القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية وصقلها وغرسها في نفوس الناشئة بات اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة. هذه العملية موكولة بالأساس للتربية والتنشئة الاجتماعية والتعليم، درءا للانفصام القيمي والفراغ الهوياتي، فالدين الإسلامي دين قيم وأخلاق حيث قال الله تعالى في كتابه: “وإنك لعلى خلق عظيم”، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “، ونحن ولله الحمد أمة الأخلاق بامتياز؛ فنبينا جاء برسالة الإسلام متمما لمكارم الأخلاق.
ولقد أدركت مجموعة من الأنظمة التربوية، وفي مقدمتها دولة اليابان، أهمية هذا الجانب القيمي، فجعلته أحد ركائز منظومتها التربوية، إدراكا منها أن بناء المجتمع وتقدمه يكون ببناء الإنسان، وأهم مكونات هذا الإنسان هو بناء شخصيته وضمان توازنها وثباتها، تأسيسا على أن كل مجتمع تبنيه قيمه.
نعم، نريد اليوم أن نجعل من هذه الظرفية مناسبة للتفكير والتدبر والتفكير ومراجعة الذات واستخلاص العبر، وفرصة لإعادة التفكير في أساليب حياتنا وطرق تعاملنا وتواصلنا في العالم الإسلامي والمغرب بصفة عامة، وفي الصحراء بصفة خاصة، لماذا؟! بناء على المقولة المعروفة إذا كان المشرق أرض الأنبياء فالمغرب أرض الأولياء. فالمغاربة عموما وأهل الصحراء خصوصا تأثروا بسير أولياء الله الصالحين كما جاء في كتاب “الحركة الصوفية وأثرها في أدب الصحراء المغربية” لمؤلفه محمد الظريف.
لقد عرفت الأقاليم الصحراوية، خلال القرون الأربعة الأخيرة، حركة صوفية متميزة، امتد تأثيرها إلى مختلف مجالات الحياة الصحراوية الاجتماعية والثقافية والسياسية. فمنذ انتشار التصوف في المغرب، ابتداء من ظهوره سلوكا متميزا في العبادة وتطوره في شكل مؤسسات منظمة من ربط وزوايا وطرق وطوائف فيما بعد لم تتوقف هذه الأقاليم من احتضان التجارب الصوفية الوافدة من شمال المغرب وشرقه واعتمادها في التربية والتهذيب والإصلاح الديني والاجتماعي.
وقد كان لهذا أثر إيجابي على ساكنة الصحراء فتجدرت القيم في ثقافة أهل الصحراء أي في الثقافة الحسانية، يؤطرها غالبا البعد الديني. تجسدت هذه القيم في مجموعة من الحكم والأمثال والأقوال المأثورة والقصائد الشعرية ومن أمثلة ذلك، المجتمع الحساني الذي يولي أهمية كبرى للجود والعطاء. ومن الأمثال المتداولة في الجود: ” الجود ما هُو من الموجود هو الا لولَة فالقْلْب تْعود”، و”اللي فيدو ماهو لو” و”ظيفو ما يشبع” كما يؤمن بالتسامح بدليل أنه، خاصة في المناسبات الدينية، لا تكاد تسمع إلا :”ايوا المسامحة، الا سمحولي ما في علم الله ويرد الطرف الاخر: لا عطاها لك باس ألا هي الخالكة”.
أما الحمد فهو الملازم للشفاه والقلوب، ايمانا منهم ب “اللي مَا حْمْد نعمة يْمْركْها” أي يخرج منها. بالحمد يقيد النعم ويرددون دائما في الجواب عن أي شيء يخصهم “حامدين مولانا وشاكرينو” ومن عادات المجتمع الحساني افشاء السلام “السلام الا لمولانا” ورفع الكلفة.
ويؤمن أهل الصحراء بأن الصدقة ترد وتدفع “لبلا والباس”، بل يداوون مرضاهم بالصدقة إيمانا منهم بقوله صلى الله عليه وسلم: “داووا مرضاكم بالصدقة ” ويقولون “رَافْدين صدكة” بل يؤمنون أن الصدقة تطيل العمر “الصْدْكَة تنشف لْعْمر”،
كما يقدس المجتمع في الصحراء صلة الرحم استحضارا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ، ومَن قطعني قطعه اللهُ”، وقوله ” مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له فِي رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ, فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ”، وهذا ما يدل عليه المثل الحساني: “يعْمْلْنا نركعوه ْما نقطعوه”. كما أنهم يولون أهمية قصوى لطاعة الوالدين والبر بهما خاصة في الكبر، حيث يولى كبار السن مكانة خاصة في المجتمع الصحراوي باعتبار حنكتهم وحكمتهم وتجربتهم ويقول المثل: “ايشوف الشيباني التاكي لما شاف الشاب الواكف”، وهم يمتثلون لقوله تعالى:” وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا”.
ويحترم مجتمع الصحراء المرأة ويجلها ويتجلى ذلك في المثل التالي: “لعليات عمايم لجواد ونعايل لكلاب” وهدا ما يذكرنا بقوله صلى الله غليه وسلم لا يكرمهن إلا كريم”.
فأن المجتمع الحساني يتميز بالبساطة والتواضع، ويتجنب الغيبة ما أمكن وعند اختتام أي مجمع يتم ترديد الله يسمح لنا. ومن الاقوال المأثورة يْعْطِينا اللي ما نْتْعاكْبو معاه” لعدم الإقبال بلهفة على الدنيا “يمشي بْشُور اللي فْخْلاكو يجري” للتريث وتجنب الاندفاع ”
ولقد بات الحفاظ على هذه القيم واجب علينا كل من موقعه، ولطالما قمنا كأكاديمية بوضع برامج وأنشطة ذات حمولة قيمية لفائدة ناشئتنا بجهة الداخلة وادي الذهب بالتنسيق مع الزوايا المتواجدة بالجهة والمجالس العلمية والمجتمع المدني واللجنة الجهوية لحقوق الانسان، كما حاولت الأكاديمية أن تستضيف هامات وقامات في الفكر الإسلامي والتربية على القيم، شخصيات وطنية وعربية مشهود لها بانها متظلعة في ذلك من وزارة التربية الوطنية والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والمجلس العلمي الأعلى والرابطة المحمدية للعلماء والقناة التلفزية السادسة ومن الوجوه العربية الدكتور محمد راتب النابلسي والدكتور عمر عبد الكافي وغيرهم.
كل هذا لنحافظ على هذه القيم في المغرب بصفة عامة وفي الجهة بصفة خاصة ونرسخها في عقول الناشئة لنحافظ على مجتمع مسلم راقٍ بعيد عن التطرف يتمتع بالصلاح والسكينة والطمأنينة، يعرف أن الدين سلوك وعمل ومعاملة وورع واستقامة وأمانة متشبع بالتقوى وبدين الوسطية والاعتدال، وبالتالي نجعل جهتنا جهة مباركة غظفة ميمونة بما يعم فيها من العمل الصالح والتقوى جاذبة لكل الخيرات والنعم والامن والأمان والاستقرار والازدهار.
وختاما علينا أن نتوجه الآن لله العلي القدير ليخلصنا ويخلص العالم من هذه الجائحة فهو القائل جل وعلى: ” وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني. فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.”
ليتوسل كل واحد منا بصالح اعماله كما فعل الفتية الثلاث لما أغلقت عليهم صخرة باب الكهف الذي احتموا به من المطر وأن نكثر من الاستغفار مصداقا لقوله تعالى: “وَمَا كان اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كان اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ “، ولنتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل حتى يحق فينا ما جاء في الحديث القدسي: ” ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه”.
دون أن ننسى سيد الاستغفار وخير الذكر والباقيات الصالحات وادعية الصباح والمساء والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء مصداقا لقوله تعالى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب وأن نتوجه إليه جلت قدرته في أوقات استجابة الدعاء مثلا بين الآذان والإقامة وخلال السجود في كل صلاة وخلال ساعة قبل آذان الفجر وساعة بعد آذان الفجر حتى الشروق مرددين ونحن موقنين من الإجابة : “اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سُئلت به أعطيت، يا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أن تجعلنا من العتقاء في دار البقاء، وارزفنا الطهر والنقاء والصفاء، ونسألك يا من اسمه شفاء، وذكره دواء، أن ترفع عنا هذا الوباء وتدفع عنا هذا البلاء، وتزيح عنا هذا الداء عنا وعن البشرية جمعاء، إنك مجيب الدعاء”.
وإذا استجاب لنا الله وكتب لنا عمرا جديد نبادر بمراجعة أنفسنا وتحسين علاقتنا بالخالق ومختلف مخلوقاته وبأنفسنا، ولا ننسى استحضار نعمه وحمده وشكره عليها ونعمل بقوله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” فليحدد كل واحد منا هدفا لحياته ليعطي لحياته ويتقن عمله ويخلص فيه وأن يتجنب كل أنواع الغش وكل اساليبه في الامتحانات وفي غيرها فقد قال صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا ولنعمل لدنيانا كأننا سنعيش أبدا ونعمل لآخرتنا كأننا سنموت غدا. ونعمل بقوله تعالى: “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

قد يعجبك ايضا
Loading...